السيد هاشم البحراني
365
البرهان في تفسير القرآن
يراهم ، فقالوا : يا لقمان ، هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض تحكم بين الناس ؟ فقال لقمان : إن أمرني الله بذلك فالسمع والطاعة ، لأنه إن فعل بي ذلك أعانني عليه وعلمني وعصمني ، وإن هو خيرني قبلت العافية . فقالت الملائكة : يا لقمان ، لم قلت ذلك ؟ قال : لأن الحكم بين الناس بأشد المنازل من الدين ، وأكثرها فتنا وبلاء ، ويخذل ولا يعان ، ويغشاه الظلم من كل مكان ، وصاحبه فيه بين أمرين : إن أصاب فيه الحق فبالحري « 1 » أن يسلم ، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة ، ومن يكن في الدنيا ذليلا وضعيفا ، وكان أهون عليه في المعاد من أن يكون فيه حكيما « 2 » سريا شريفا ، ومن اختار الدنيا على الآخرة يخسرهما كلتيهما ، تزول هذه ولا يدرك تلك - قال - فتعجبت الملائكة من حكمته ، واستحسن الرحمن منطقه . فلما أمسى وأخذ مضجعه من الليل ، أنزل الله عليه الحكمة ، فغشاه بها من قرنه إلى قدمه وهو نائم ، وغطاه بالحكمة غطاء ، فاستيقظ وهو أحكم الناس في زمانه ، وخرج على الناس ينطق بالحكمة ويبثها « 3 » فيها - قال - فلما أوتي الحكم ، ولم يقبله ، أمر الله الملائكة فنادت داود بالخلافة ، فقبلها ولم يشترط فيها بشرط لقمان ، فأعطاه الله الخلافة في الأرض وابتلي فيها غير مرة ، كل ذلك يهوي في الخطأ ويقيله الله ويغفره له . وكان لقمان يكثر زيارة داود ( عليه السلام ) ، ويعظه بمواعظه وحكمته وفضل علمه ، وكان داود يقول له : طوبى لك - يا لقمان - أوتيت الحكمة ، وصرفت عنك البلية ، وأعطي داود الخلافة ، وابتلي بالحكم والفتنة » . قال : ثم قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) في قوله تعالى : * ( وإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِه وهُوَ يَعِظُه يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّه إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) * . قال : « فوعظ لقمان ابنه بآثار حتى تفطر وانشق « 4 » ، فكان فيما وعظه به - يا حماد - أن قال له : يا بني ، إنك منذ سقطت إلى الدنيا استدبرتها واستقبلت الآخرة ، فدار أنت إليها تسير أقرب إليك من دار أنت عنها متباعد . يا بني ، جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك ، ولا تجادلهم فيمنعوك ، وخذ من الدنيا بلاغا ، ولا ترفضها فتكون عيالا على الناس ، ولا تدخل فيها دخولا يضر بآخرتك ، وصم صوما يقطع شهوتك ، ولا تصم صوما يمنعك عن الصلاة ، فإن الصلاة أحب إلى الله من الصيام . يا بني ، إن الدنيا بحر عميق قد هلك فيها عالم كثير ، فاجعل سفينتك فيها الإيمان ، واجعل شراعها التوكل ، واجعل زادك فيها تقوى الله ، فإن نجوت فبرحمة الله ، وإن هلكت فبذنوبك . يا بني ، إن تأدبت صغيرا انتفعت به كبيرا ، ومن عني بالأدب اهتم به ، ومن اهتم به تكلف علمه ، ومن تكلف علمه اشتد طلبه ، ومن اشتد طلبه أدرك منفعته ، فاتخذه عادة ، فإنك تخلف في سلفك ، وينتفع به من خلفك ، ويرتجيك فيه راغب ، ويخشى صولتك راهب ، وإياك والكسل عنه بالطلب لغيره ، فإن غلبت على الدنيا
--> ( 1 ) الحريّ : الجدير والخليق . « النهاية 1 : 375 » . ( 2 ) في المصدر : حكما . ( 3 ) في المصدر : ويثبتها . ( 4 ) قال المجلسي ( رحمه اللَّه ) : قوله : « حتّى تفطَّر وانشقّ » كناية عن غاية تأثير الحكمة فيه ، البحار 13 : 413 .